
كتب: محمود ابومسلم
بين ليلة وضحاها، سكت الوتر الذي طالما ضبط إيقاع القلوب على موجة الشجن النبيل رحل الفنان هاني شاكر، ولم يكن رحيله مجرد غياب لجسد، بل هو إعلان عن انطواء مرحلة من تاريخ الموسيقى العربية، كان فيها “الأمير” هو الحارس الأمين على تراث الكلمة التي لا تخدش الحياء، واللحن الذي لا يضل الطريق إلى الروح النبتة التي نمت في ظل العمالقة
لم تكن بدايات هاني شاكر مفروشة بالورود، بل كانت تحدياً كبيراً؛ إذ ظهر في عصر كان فيه “العندليب” و”كوكب الشرق” و”موسيقار الأجيال” يهيمنون على الوجدان. لكنه، وبذكاء الفطرة ونقاء الصوت، استطاع أن يجد لنفسه “منطقة دافئة” بين هؤلاء العمالقة، ليصبح الوريث الشرعي لمدرسة الرومانسية الحزينة، تلك التي تجعلك تعشق الانكسار وتستمتع بمرارة الفراق في آن واحد.
الانكسار الخفي: “دينا” والوجع الصامت
خلف الرداء الرسمي المعهود، والابتسامة التي توحي بالسكينة، سكن حزن مقيم لم تفلح الأضواء في تبديده. كان رحيل ابنته “دينا” هو الزلزال الذي هز أركان عالمه، ومنذ تلك اللحظة، تحول صوت هاني شاكر إلى ما يشبه “الناي الحزين”؛ حتى في أكثر أغانيه بهجة، كان المرء يستشعر غصة خفية، جعلت منه الصديق الأقرب لكل من ذاق لوعة الفقد.
المحارب في “زمن الضجيج”لم يكتفِ الراحل بكونه مطرباً، بل تحول في سنواته الأخيرة إلى “مقاتل” من أجل الهوية ومن خلال منصبه كقائد للموسيقيين، خاض حروباً ضروساً لم تكن ضد أشخاص، بل كانت ضد “الابتذال” و”تسطيح الفن”. قد يتفق معه البعض أو يختلف، لكن لا أحد يملك إلا أن يحترم إخلاصه لمهنته، وإيمانه بأن الفن المصري يجب أن يظل “أيقونة” للأناقة والذوق.
الوداع الأخير.. صدى “علي الضحكاية” لا يغيبيرحل هاني شاكر، لكن “شريط الذكريات” لن يتوقف سيبقى صوته يتردد في كل زاوية، يواسي المجروحين بـ “نسيانك صعب أكيد”، ويستعيد ذكريات الشباب بـ “علي الضحكاية”.
لقد غادرنا “الأمير” تاركاً خلفه تركة ثقيلة من الفن الصافي، ودرساً بليغاً في أن الفنان ليس مجرد حنجرة، بل هو موقف، وكرامة، وكلمة تظل باقية حتى بعد أن يسدل الستار.
