بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
حين غرق السودان ونجَت مصر… روح أكتوبر تتجدّد
في السادس من أكتوبر 1973 قدّمت مصر للعالم درسًا خالدًا في أنّ الانتصارات لا تُصنع في ميادين القتال وحدها، بل تُبنى أولًا في غرف التخطيط. قبل ساعة الصفر بسنوات، أعادت مصر ترتيب أولوياتها، درست عدوّها بعناية، حسبت سرعة الموج في القناة وارتفاع الجسور ووزن المعدّات، ونسّقت بين الجيش والدولة والشعب في ملحمةٍ جعلت المستحيل ممكنًا. كان العبور العظيم ثمرة رؤية استباقية حوّلت الهزيمة إلى نصرٍ يُدرَّس في كتب الاستراتيجية.
اليوم، وبعد نصف قرن، واجهت مصر والسودان تحديًا من نوع آخر: سدّ النهضة. حين فتحت إثيوبيا بوابات السد مؤخرًا، اندفعت كميات هائلة من المياه لتغرق مساحات واسعة من السودان وتهدد حياة الناس. غير أنّ مصر لم تُفاجَأ، فقد أدركت منذ سنوات أنّ معركة النيل تحتاج إلى عقلية أكتوبر نفسها، فوضعت خططًا استباقية لتقليل الخطر وتحويل المحنة إلى منحة.
فقد رفعت مصر جاهزيتها مبكرًا عبر إدارة السدود والخزانات الداخلية بذكاء، واستثمرت في مشروعات حماية الشواطئ، واستبقت الطوارئ بتحسين أنظمة الإنذار المبكر والتصرف السريع مع موجات الفيضان. وعندما حدث ما حدث، كانت قادرة على استيعاب الموقف، فلم تغرق دلتاها ولم تفقد السيطرة على مواردها، بل خرجت بأقل الخسائر وحافظت على استقرارها المائي، بينما كانت مأساة السودان شاهدة على كلفة غياب التخطيط.
الدرس واضح: ما نجح في العبور العسكري نجح أيضًا في العبور المائي. الخطر واحد: مفاجآت غير محسوبة، والحل واحد: تخطيط استباقي لا يترك مصير الأمة رهينة الأقدار. إنّ أكتوبر لم يكن مجرد نصر عسكري بل عقلية إدارة أزمات، عقلية تُحوّل التهديد إلى فرصة، والمحنة إلى منحة.
من عبر القناة رغم التحصينات قادرٌ على عبور أزمات النهر والمناخ والغذاء، شريطة أن يظل وفيًّا لنهج التخطيط والعمل الصبور لا ردّ الفعل المتأخر. بهذا وحده نستطيع أن نصنع انتصارات جديدة تُضاف إلى سجلّ أكتوبر.
