كتب يحي خليفه

إن المعارضة هي مفتاح استقامة أي نظام وهى الضامن الوحيد لعدم تحول النظام إلى نظام استبدادي وقمعي لأن وجود المعارضة الحقيقة يعتبر مظهر من مظاهر التعددية السياسية من جهة ورقيب على ممارسة السلطة لصلاحياتها الدستورية والقانونية من جهة أخرى.. ” فوجود معارضة سياسية ضمن النسق السياسي المعاصر أيا كانت طبيعته ضرورة حتمية وحسب رؤية البعض فان المعارضة والحكومة قطبان أحدهما موجب والآخر سالب لازمان لدفع تيار التقدم والرخاء والاستقرار لكل عناصر الدولة” للأسباب التالية
وجود المعارضة حالة صحية بل ضرورية لاستقامة مؤسسات الدولة وعدم خروجها عن المسار الديمقراطي وخدمة الشعب فعدم وجودها حالة خطيرة قد يؤدي إلى تقلبات داخل المجتمع وإخراجه من مساره الديمقراطي والانقلاب على حقوق الإنسان والحريات مما يؤدى إلى فزملة الشعب في مقابل عملقة النظام بكل أدواته ، إن وجود المعارضة هو التعبير الأبسط عن وجود السياسة ذاتها وهى صمام الأمان الوحيد ضد احتمال تحول النزاعات الداخلية إلى صراعات وحروب نتيجة حالة التذمر والغضب الشديد نتيجة ضعف وسائل التعبير لدى الشعب عن رفضه لسياسات النظام.
عموما إن الحياة السياسية في مصر لم تعرف يوماً المعارضة الحقيقية فلم تكن لدينا حكومات ظل أو أحزاب منتخبة أو زعامات سياسية تمارس دوراً بجانب سلطة القرار.. لم يكن في الماضي القريب أمام الحزب الوطني غير جماعة الإخوان وللأسف أنها لم تكن حزباً معارضاً بل كانت جماعة انتهازية ووصولية تتفاعل مع النظام القائم بمنطق المصالح وعقد الصفقات فكانت تستغل الأرضية التي اكتسبتها على الأرض داخل الشارع المصري لعقد صفقات مع النظام سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ورياضية في مقابل ضمان استمرارية النظام في السلطة مما أتاح لها السيطرة شبة الكاملة على النقابات والاتحادات الطلابية بالجامعات المصرية وأيضا السيطرة على المساجد والنوادي الرياضية ومراكز الشباب وإتاحة لها تلك الصفقات أيضا انشاء كيانات اقتصادية كبيرة لذلك فإنها أصبحت للشارع المصري القوى السياسية المعارضة التي تحقق التوازن السياسي بين السلطة والشعب وتعبر عن القضايا المجتمعية التي تهم الشارع المصري ولم يكن للشارع المصري والشعب أن يعرف زيف تلك الرؤية الشعبية اتجاه الجماعة إلا بعد التجربة الحزبية التي خاضت من خلالها السلطة فكان الشعب يعانى من الظلم الاجتماعي فقدان الحد الأدنى لحقوقه في حياة كريمة ومريحة خلال تحالفها مع الحزب الوطني وأيضا خلال. فترة حكمها
عموما فإن جماعة الإخوان لم تكن يوماً جماعة سياسية تدرك أهمية الأحزاب والرأي الآخر ولغة الحوار فعندما وصلت للسلطة قمعت المعارضة والأحزاب ولهذا فإن الحزب الوطني والإخوان ضيع على المصريين فرصة أن تكون لدينا معارضة حقيقية في عصر مبارك وما بعد مبارك رغم سماح السلطة في ذلك الوقت للتعددية السياسية
والسؤال الآن: أين المعارضة في مصر؟ وهل ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات الخارجية وهذا الكم من البذاءات والشتائم والاتهامات من شخصيات مجهولة يمكن أن يمثل المعارضة الحقيقية.. هل يمكن أن نعتبر هذه الأنشطة العشوائية المريبة والمجهولة معارضة سياسية؟ وأين برامج هذه الأشباح التي تنطلق عبر الشاشات والمواقع ولماذا اختارت أن تكون خارج حدود الوطن؟!! أن المعارضة الحقيقية لا يمكن أن تكتسب شرعيتها في بلاد أخرى وأن من حق الإنسان أن يعارض وأن يختلف ولكن ليست معارضة الهاربين. هناك من عارض ودفع الثمن تهميشاً وسجناً ومعاناة ولم ينسحب من وطنه. إن المعارض الحقيقي هو الذى يطرح فكراً ويقدم حلولاً حتى ولو كان الثمن حياته أما هؤلاء الذين يجلسون على المقاهي والشاشات ويصنعون بطولات زائفة فهم عار على المعارضة الحقيقية.
ولكن أين المعارضة داخل مصر؟ أن وطننا الحبيب يكتظ بالإحراب ولكن معظمها شكلي أنشأ من أجل تحقيق مصالح خاصة من وراء المعارضة وتحقيق طموحات ومصالح أعضائه ولكن هل كل الأحزاب السياسية بمصر هامشية وصغيرة لا هناك أحزاب سياسية تاريخية كبيرة مثل الوفد والتجمع والناصري ولكنهم انسحبوا من الساحة السياسية لضعف القيادات ولعدم وجود كوادر نتيجة حدوث انقسامات داخلهم تولد عنها أحزاب صغيرة غير مؤثرة
إذن من يحقق التوازن السياسي داخل الحياة السياسية المصرية في ظل هذا الضعف العام للأحزاب؟ إذا ظل هذا الوضع فإن احتمالات عودة الإخوان المسلمين أو أي جماعة أخرى وارد بصورة كبيرة ولذلك الحل عندي أن يقوم النظام إذا أراد دولة جديدة أن يعقد مؤتمرا جماهيريا كبيرا وليس حوارا وطنيا بين ممثلين لقوى وأحزاب ضعيفة بالداخل قوية بقوة أطماع الخارج هذا المؤتمر يطرح رؤية او تصور لشكل الحياة السياسية المصرية وأيضا يضع تصور لمفهوم المعارضة الحقيقة وما هو شكل التعددية السياسية التي يمكن أن تعبر عن الشارع المصري بكل فئاته وطوائفه بحيث نخرج من المؤتمر بتصور شامل لنظام ديمقراطي حقيقي مبني على التعددية السياسية الحقيقية وليست الديكتاتورية يقوم على رعاية مصالح الوطن ومستقبل الشعب.. إن المعارضة بلا أحزاب كيان بلا مقومات وبناء بلا أعمدة والمعارضة بلا برامج كلام فى الهواء ولا يوجد حزب بلا جماهير والحزب السياسي لا بد أن يخرج من الأرض ولا تفرضه سلطة أو قرار وهناك مقومات للأحزاب حتى تستطيع أن تقوم بدورها من حيث وضوح نوعية الأنشطة التي يقوم بها الحزب وتوافر مصادر التمويل شفافة تضمن استمرارية الحياة للحزب والقيام بدورة باستقلالية وأيضا وجود قواعد للانتخابات الداخلية للحزب لاختيار القيادات بصورة ديمقراطية حقيقية كما أن توفر آليات وقواعد للعمل الحزبي وللأسف الشديد لا يوجد لدينا في مرحلة من تاريخنا الحديث حزب لديه مقومات القوة والاستقلالية فلم تشهد مصر طوال السنوات الماضية إنشاء أحزاب سياسية جديدة خرجت من وسط الجماهير بل كانت تجارب حزبية فوقية سرعان ما ظهرت وتلاشت في ظروف غامضة.. ولم يكن غير ما بقى من أحزابناً القديمة مثل الوفد وبقايا اليسار المصري.. وهذا الغياب للأحزاب السياسية القوية افرز مجموعة من القوى الزائفة يدعون بطولات زائفة في الخارج أو هؤلاء الذين يتآمرون مع قوى خارجية تسعى لتدمير منجزات هذا الوطن.. والسؤال الآن: كيف تكون لدينا معارضة حقيقية وكيف لا نسقط مرة أخرى في تجارب فاشلة وكيف نضمن عدم اعوجاج مؤسسات الدولة وتخليها عن الانحياز الطبقات المتوسطة والفقيرة في مصر ؟..
بعد انسحاب النخبة المصرية من الحياة السياسية المصرية والذي يمثل لغزا خطيرا في المناخ السياسي في مصر، خاصة أن دور هذه النخبة الحزبية التاريخية فى الحياة السياسية لا غنى عنه وخلاصة القول والنصيحة من قلب محب للوطن لا يوجد نظام سياسي يحكم إلا وأمامه قوى معارضة ومن الخطأ أن نتصور أن تجارب الماضي قابلة للتكرار أو أن نسعى إلى استنساخ تجارب قديمة الحزب الوطني بمسمى جديد مستقبل وطن
