التاريخ هو ذاكرة الشعوب وسجل أحداثها، والشاهد الأمين على نجاحاتها وإخفاقاتها. وهو مرجع مهم تلجأ إليه وقت الحاجة،

تستحضر همتها وتستمد قوتها، وتقف على الحقائق المجردة لا الكذب والفبركة. والتاريخ لا يكتبه المنتصرون ولا المنهزمون؛ لأن الكل يكتب وفق رغبته وهواه، فالمنتصر يبالغ ويهول فيما حصل عليه، والمنهزم يسفه ويهون مما ضاع منه، وما أكثر التبريرات والمبررات. إنما يكتبه المؤرخون والباحثون، وهو مرآة الشعوب، وكل من يقف أمام المرآة لا يرى سوى نفسه، ولا يستطيع أي شعب أن يتقمص تاريخ غيره. وحقب التاريخ لا تخلو من المنحنيات والمنعطفات، وكلما تضاءلت الكبوات، كلما تباهت الشعوب وتفاخرت بتاريخها. أما عن مصر التي وجدت منذ فجر التاريخ، فقد مرت بعصور مزدهرة مشرفة، مما جعل لها مكاناً ومكانةً في مقدمة الدول، يبدأ بالعصر الفرعوني القديم، وصولاً للحقبة الإسلامية، ثم المماليك، ثم العثمانيين، حتى أسرة محمد علي، وما تلاها من فترات متتالية عشناها وعايشناها بالأمس القريب مما نعرفه جميعاً. وتم تدوين التاريخ بكل ما مر بها من انتصارات وانكسارات. ولأن التاريخ صناعة بشرية، فهو لا يكتب في وقته نظراً للانحيازات والأهواء، وإنما يكتب بعد فترة من الزمن، حينما تزول الموانع التي تحول دون كتابته بحرية وحيادية وصدق وأمانة. ولنتخيل -مثلاً- قراءة التاريخ بعد خمسين سنة من هذه الفترة التي نحياها؛ من صناعة، وزراعة، وتعليم، وصحة، وإسكان، وفن، وإعلام، وفيس بوك، وتيك توك، ومشايخ بير السلم -البضاعة المضروبة- الذين يتنافسون على الفضائيات ويتسابقون أيهم أكثر تحريفاً وتشويهاً للدين الإسلامي الحنيف دون اعتراض أو استنكار أو وضع خط أحمر من قبل مؤسسة الأزهر الشريف. ناهيك عمن يسمونهم صفوة المجتمع وعلية القوم وكيفية تكوين ثرواتهم، والمخدرات التي كانت من خمسين سنة مضت حشيشاً وأفيوناً فقط، لتصبح اليوم تعد بالعشرات، تتداول أسماؤها بين الصبية والشباب وكأنهم يتحدثون عن اللب السوبر وعباد الشمس والفيشار، مما يهدد بإفساد وضياع الغالبية من النشء والمراهقين، أمل مصر ورجال المستقبل. فهل يغفر لنا أحفادنا -حينها- ويلتمسون لنا العذر ويترحمون علينا، أم تكون نظرتهم لنا على غير ما نحب؟