حين يصير الوفاء وجعًا.
في لحظات كثيرة من حياتنا، لا نملك سوى الصدق.
لكننا نكتشف متأخرين أن الصدق أحيانًا مؤلم أكثر من الكذب،
وأن الوفاء قد يتحوّل إلى عبءٍ نحمله وحدنا في طريقٍ طويلٍ من الغياب.
كم من إنسانٍ ظلّ مخلصًا لوجهٍ غاب منذ سنين،
وكم من ذاكرةٍ أصرّت أن تبقى رغم أن القلبَ تمنى النسيان.
في داخل كلٍّ منّا حكاية مؤجلة،
وحبّ لم يجد لحضوره نهايةً ولا لغيابه بداية.
نحاول أن نبدو أقوياء، نضحك، نعمل، نكتب…
لكن هناك شيئًا صغيرًا فينا لا يكبر ولا يشيخ،
يظلّ في مكانه، ينتظر صوتًا مألوفًا،
ونظرةً تشبه تلك التي كانت تفتح فينا الحياة.
في زمنٍ سريع النسيان، يبدو التمسّك بالذاكرة نوعًا من الجنون،
لكنّ بعض الجنون أنبل من ألف عقل.
من هنا وُلدت هذه الكلمات،
ليست قصيدة حب، بل اعترافًا صامتًا بوجع الوفاء في عالمٍ لا يحتمله.
بَقِيتُ زَمَانًا مَا رَأَيْتُكَ يَا أَنَا
وَغَدَتْ لَيَالِي الشَّوْقِ تَنْسَى ضِيَاهَا
كَمْ مَرَّ عُمْرِي فِي الْمَسَافَةِ بَيْنَنَا
وَتَبَدَّدَ الْحُلْمُ الْجَمِيلُ صَدَاهَا
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ ضِحْكَتَكْ كَانَتْ هُنَا
تُحْيِي فُؤَادِي كُلَّمَا نَادَاهَا
مَا زَالَ طَيْفُكَ فِي الْمَدَى مُتَعَبًا
يَمْشِي مَعِي وَيُعِيدُنِي لِمَدَاهَا
يَا مَنْ تَرَكْتَ الدِّفءَ بَيْنَ أَصَابِعِي
ثُمَّ ارْتَحَلْتَ، فَهَلْ نَسِيتَ رُؤَاهَا؟
كَمْ بِتُّ أُخْفِي الْحُزْنَ خَلْفَ مَلَامِحِي
وَأَقُولُ: رَبِّي، رُبَّمَا يَرْضَاهَا
يَا مَنْ سَكَنْتَ الْقَلْبَ، هَلْ مِنْ رَجْعَةٍ؟
فَاللَّيْلُ طَالَ، وَمَا رَأَيْتُ سَنَاهَا
إِنِّي أُحِبُّكَ مَا حَيِيتُ، وَإِنْ مَضَى
عُمْرِي، فَحُبُّكَ فِي الحَنَايَا جَاهَا
سَيَعُودُ فَجْرُ الْحُبِّ يَوْمًا مِثْلَمَا
تَعُودُ طُيُورُ الصُّبْحِ لِمْأْوَاهَا
وَسَتَلْتَقِي الْأَرْوَاحُ بَعْدَ تَبَاعُدٍ
وَيَذُوبُ فِي عَيْنَيْكَ كُلُّ عَنَاهَا
سَنَعُودُ نَحْكِي عَنْ هَوَانَا مِثْلَمَا
تَحْكِي الزُّهُورُ عَنِ النَّدَى وَضِيَاهَا
ليست هذه القصيدة عن الحبّ بقدر ما هي عن الصدق الإنساني حين يتحوّل إلى وجعٍ دائم.
كل بيتٍ فيها مرآة لحقيقةٍ نحاول الهروب منها:
أنَّ الوفاء جميلٌ… لكنه مؤلم،
وأنَّ النسيان نعمةٌ لا تُمنح لمن أحبّ بصدق.
ربما لا نكتب لنُشفى، بل لنحافظ على ما تبقّى من أرواحنا.
فالكتابة ليست ترفًا، بل طريقة كي نظلّ أحياء.
وهكذا يصبح الشعر، في نهاية الأمر،
جلّاد الحقيقة… وصوتها في آنٍ واحد.
