بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
ذهب مسروق… وهوية مهدورة”
سرقة السوار الأثري ليست واقعة عابرة، بل جرح مفتوح في ضمير مجتمعٍ باع بعض أفراده تاريخَه بأبخس الأثمان. ما حدث لا يختزل في كسر قفلٍ أو التسلل إلى مخزن، بل في كسر علاقةٍ ممتدة بين حاضرٍ يزهو بماضيه وماضٍ يطلّ علينا من خلال قطعٍ تشهد بأن هذه البلاد سبقت العالم يومًا في الفنون والعلم والتنظيم. الذين سرقوا ثم صهروا السوار لم يروا فيه إلا وزنه معدنًا وسعره في لحظة بيعٍ متعجلة؛ تجاهلوا أن القيمة الحقيقية لأي أثر ليست في الذهب الذي يحمله، بل في الزمن الذي يحفظه، وفي اليد البشرية التي صاغته منذ آلاف السنين لتترك لنا توقيعًا لا يتكرر.
لماذا باعوه بأقل مما يساوي؟ لأن دوافعهم اختلط فيها الجشع بالجهل: جشعُ الربح السريع الذي يغري ضعاف النفوس، وجهلٌ يعمي البصيرة عن معنى التراث بوصفه ذاكرة جماعية وليست ملكًا خاصًّا يُقوَّم بالجرام. وربما دخلت عوامل أخرى: فقرٌ يستغله سماسرة الظلام، وشبكاتٌ تتقن إقناع الناس بأن “الفرصة لا تُفوت”، وأن تحويل الأثر إلى سبيكة “أأمن” من بقائه أثرًا مميزًا سهل التعقب. لكن أيًّا كانت الملابسات، فالنتيجة واحدة: تدمير قيمة لا تعوَّض، وإطفاء شاهدٍ من شواهد هوية البلد.
إن خسارتنا هنا ليست مادية؛ فالسبيكة التي خرجت من الفرن تحمل الوزن نفسه تقريبًا، لكنها فقدت روحها. ضاعت قصة القطعة، وسياقها، وأسلوب الصناعة، والبصمة الجمالية لِفنانٍ مجهولِ الاسم معلومِ المهارة. ضاعت فرصة باحثٍ كان سيقارن النقوش، وضاعت دهشة طفلٍ كان سيتعرف لأول مرة على معنى أن تكون من بلدٍ يصنع الجمال منذ آلاف السنين. بهذه الخفة في البيع، خسرنا جميعًا ما لا يُشترى ولا يُباع.
ومع أن المسؤولية الأولى تقع على من مدّ يده وساهم في الجريمة بيعًا أو شراءً أو صهرًا، فإن حماية الأثر واجب عامّ؛ هي منظومة تبدأ من وعي المجتمع وتنتهي بإحكام الحفظ والمتابعة. لا حاجة لنقدٍ لاذعٍ للدولة كي ندرك أن تحسين إجراءات التأمين، وتوسيع الرقابة الذكية، وتدريب العاملين، وتفعيل الردع القانوني، كلها ضرورات لا تُؤجَّل. كما أن المدرسة والإعلام والدين والثقافة شركاء في تأسيس بوصلة أخلاقية بسيطة: من يعبث بالتراث يعبث بكرامتنا المشتركة.
هذه الحادثة اختبارٌ لنا جميعًا: هل نرى في الآثار معدنًا يُساوَم عليه، أم ذاكرةً نحرسها؟ لصوص السوار اختاروا الإجابة الأسهل والأرخص، فحوّلوا التاريخ إلى سبائك. أما المجتمع الحيّ فيختار الإجابة الأصعب والأغلى: أن يصون ما ورثه، وأن يعلّم أبناءه أن القيمة لا تُقاس بثمن اللحظة، بل بأثر ما نبقيه حيًّا للأجيال. لقد باعوا الماضي بثمنٍ بخس، لكن الماضي أطول نفسًا من نزواتهم، وسيبقى يسألنا: ماذا فعلتم بما اؤتمنتم عليه؟
