بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
كيف نصنع الفوز خارج المستطيل الأخضر؟
في إدارة الأزمات وتحقيق التغيير، تتكرر أمامنا الحقيقة نفسها مهما اختلفت السياقات: النجاح ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية واضحة، أدوار محددة، ونظام قائم على التحفيز والانضباط. التجربة الأخيرة التي قادها جون إدوارد في إعادة تنظيم شؤون فريق الزمالك تؤكد ذلك، لكن قيمتها الحقيقية تتجاوز حدود الرياضة لتلامس مجالات أوسع تمسّ حياتنا اليومية كالتعليم والصحة والاقتصاد.
حين ابتعد جون إدوارد عن الانخراط المباشر في تفاصيل المباريات، وفضّل أن يراقب من موقع هادئ بعيدًا عن الضغوط اللحظية، كان يُذكّرنا بأن التخطيط الفعّال يحتاج إلى مسافة آمنة، حيث يمكن لصاحب القرار أن يرى الصورة كاملة. هذه الفلسفة يمكن تطبيقها في إدارة المدارس عبر تركيز المديرين على الرؤية العامة وتطوير المناهج بدل الغرق في التفاصيل اليومية، وفي القطاع الصحي حيث يمكن للقادة الطبيين وضع السياسات والبروتوكولات التي تضمن استجابة فعّالة، وفي الاقتصاد حين تعلو أهمية رسم السياسات طويلة المدى فوق ردود الأفعال المتسرعة.
كذلك برزت قيمة التخصصية في الأدوار. كما رفض جون إدوارد تداخل مسؤولياته مع الجهاز الفني، يمكن لمؤسسات التعليم والصحة والاقتصاد أن تزدهر إذا حدد كل طرف حدوده بدقة. حين يعرف المعلم أين ينتهي دوره ليبدأ دور المشرف التربوي، وحين يُدرك الطبيب أن الإدارة الصحية تدير الموارد لا العلاج، تصبح المنظومة أكثر كفاءة وأقل ارتباكًا.
ثم تأتي أهمية النظام الواضح والعادل الذي يكافئ المتميزين ويحاسب المقصرين. الإصلاح الحقيقي لا يتحقق عبر القرارات الفردية الطارئة، بل من خلال لوائح شفافة تدعم الثقة وتحفّز الأداء. في المدارس، يمكن أن يؤدي وجود أنظمة تقييم محفزة إلى تحسين نتائج الطلاب، وفي المستشفيات تُترجم اللوائح الصارمة إلى جودة أفضل للرعاية الصحية، وفي الاقتصاد تشجع المكافآت المبنية على الكفاءة بيئة عمل أكثر إنتاجية وعدالة.
إن التجارب الناجحة حولنا تذكّرنا بأن الفعالية ليست في الصخب ولا في ردة الفعل السريعة، بل في وضوح الرؤية وبناء الأنظمة والالتزام بالخطط. قد تبدأ الدروس من الملعب، لكنها لا تنتهي هناك. إنها دعوة لأن نعيد صياغة طريقة إدارتنا لمؤسساتنا ومجتمعاتنا، وأن نتعلم كيف نُوازن بين التخطيط الهادئ، توزيع الأدوار، وإرساء قواعد تحفيزية عادلة. فما يحقق الانتصار في مباراة يمكن أن يحقق نهضة في أمة إذا أُحسن توظيفه.
