
شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن ليلة تاريخية حبست فيها الأنفاس عالمياً، بعد أن كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى عن الكواليس المعقدة التي سبقت قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء الضربات العسكرية الوشيكة ضد أهداف إيرانية. وجاء هذا التراجع المفاجئ بعد ساعات من التلويح الأمريكي بـ «سيناريو فنزويلا» كخيار بديل، وهو ما وضع المنطقة والعالم أمام منعطف سياسي وعسكري شديد الحساسية.
هذا التحول الدراماتيكي يعكس حجم الصراع المحتدم داخل الإدارة الأمريكية بين تيار “الصقور” الداعي للرد العسكري المباشر، وتيار الواقعية الجيوسياسية الذي يفضل أدوات الضغط الاقتصادي القصوى.
ما هو «سيناريو فنزويلا» الذي هددت به واشنطن؟
تعتمد الفلسفة السياسية لـ “سيناريو فنزويلا” الذي لوحت به الإدارة الأمريكية في غرفها المغلقة على استنساخ نموذج الحصار الشامل والخنق الاقتصادي الحاد، ويتلخص في:
-
العزل الاقتصادي الكامل: تصفير الصادرات النفطية الإيرانية تماماً وبشكل حاسم، مع فرض عقوبات صارمة على أي دولة أو مؤسسة دولية تجرؤ على التعامل المالي أو التجاري مع طهران.
-
الاعتراف الدبلوماسي الموازي: الضغط باتجاه سحب الاعتراف الدولي التدريجي ببعض الشرعيات السياسية في طهران، ودعم قوى المعارضة الداخلية والخارجية لتوليد ضغط شعبي يفكك النظام من الداخل دون الحاجة لإطلاق رصاصة واحدة.
-
شلل حركة الملاحة: فرض رقابة بحرية صارمة وشبه عسكرية على ممرات الطاقة لمنع عمليات تهريب الوقود التي تعتمد عليها طهران لكسر الحصار.
كواليس التراجع.. ماذا حدث في اللحظات الأخيرة؟
تُشير التقارير الواردة من “داونينج ستريت” ومقر مجلس الأمن القومي الأمريكي إلى أن قرار ترامب بالتراجع وإلغاء أمر القصف المباشر جاء مدفوعاً بثلاثة عوامل استراتيجية حسمت الموقف:
-
حسابات الخسائر والتناسب: أعلن ترامب صراحة أن التقديرات العسكرية التي أفادت باحتمالية مقتل 150 شخصاً في الضربات الأولى جعلت الرد “غير متناسب” مع إسقاط طائرة مسيرة غير مأهولة، مفضلاً عدم تحمل الكلفة الأخلاقية والبشرية لبدء الصراع.
-
شبح الحرب المفتوحة: حذر قادة البنتاجون من أن توجيه ضربة عسكرية لبطاريات الصواريخ والرادارات الإيرانية لن يمر كحدث عابر، بل سيشعل رداً إيرانياً فورياً يستهدف القواعد الأمريكية في الخليج وممرات الملاحة في مضيق هرمز، مما يعني الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة غير مضمونة النتائج.
-
تفضيل الرد البديل: رأى ترامب أن إشهار سلاح “العقوبات الخانقة” وسيناريو الحصار الاقتصادي الصارم (سيناريو فنزويلا) سيحقق الأهداف السياسية للولايات المتحدة بإضعاف طهران وإجبارها على التفاوض، دون التورط في مستنقع عسكري جديد قد يهدد أسواق الطاقة العالمية والاقتصاد الدولي.
الأثر الفوري على المشهد الإقليمي والعالمي
أحدث قرار التراجع والتلويح بالخيار البديل أصداء فورية في عواصم القرار:
-
ارتياح حذر في أسواق النفط: تراجعت أسعار الوقود والطاقة عالمياً بنسب ملحوظة بعد أن كانت قد سجلت قفزات قياسية تحسباً لاندلاع الحرب.
-
استنفار دبلوماسي: بدأت قوى إقليمية ودولية (من بينها مصر التي دعت لاغتنام الفرصة للتوصل لاتفاق نهائي) في تكثيف الاتصالات الدبلوماسية للبناء على هذا التراجع وتحويله إلى فرصة لتهدئة مستدامة وشاملة تراعي شواغل ومصالح كافة الأطراف في المنطقة.
وتتجه الأنظار الآن نحو جولة التصعيد القادمة، والتي تحولت من ميدان الصواريخ والطائرات المسيرة إلى أروقة المحاكم الاقتصادية ومجلس الأمن الدولي، حيث تسعى واشنطن لإثبات أن “العقوبات الخارقة” قد تكون أشد فتكاً من الضربات الجوية المباشرة.
