بقلم: محمد عبد المعوَّض الجلّادي
زاوية أسبوعية تحاكم الفكرة لا صاحبها، وتجلد الزيف لتنكشف الحقيقة.
اللغة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي: هل نكتب… أم تُكتب لنا؟
في زمنٍ لم تعد فيه الكلمة حكرًا على من يملك قلمًا أو عقلًا، دخلنا عصرًا يمكن فيه لخوارزمية باردة أن تكتب قصيدة حب، أو مقالًا سياسيًا، أو حتى خطبة جمعة، دون أن تشعر بشيء مما تكتبه. واللغة العربية، بتاريخها المهيب، وجمالياتها التي أنجبت الشعراء والفلاسفة، وجدت نفسها فجأة وسط سوق صاخب تبيع فيه الآلة نصوصًا مُعلبة، تُشبه الطعام السريع: مشبعة بالشكل، فقيرة في الروح.
أول ما يلفت النظر أن أغلب هذه الخوارزميات وُلدت في بيئة لا تعرف العربية إلا كأرقام في جدول لغات مدعومة. تُدرب على نصوص أجنبية، ثم يُلقى إليها ببعض المواد المترجمة، فنحصل على لغة عربية هجينة، بلا نكهة، بلا موسيقى، بلا قدرة على ملامسة القلب. والأسوأ؟ أن المستخدم العادي بدأ يعتادها، ويظن أن هذا هو المستقبل، فيتخلى طوعًا عن لغته الأصيلة مقابل نسخة رقمية رخيصة منها.
المفارقة أننا لا نعاني من نقص المواهب، بل من ضعف الإرادة. نحن ننتظر من وادي السيليكون أن يصمم لنا ذكاءً اصطناعيًا يحترم العربية، بينما نتقاعس عن إنتاج المحتوى العربي الذي يمكن أن يصبح غذاءً لهذه النماذج. كيف نلوم الآلة على إنتاج نصوص ضعيفة، ونحن نغذيها بفتات؟ كيف نصرخ في وجهها لأنها لا تفهم ثقافتنا، ونحن نفسدها بترجمات رديئة ومقالات مُعاد تدويرها؟
الحقيقة المؤلمة أن الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في قبولنا بأن يتحول إلى وصي علينا. إذا تركناه يكتب نيابة عنا، سيختفي الحس اللغوي من أذهاننا كما يختفي العضو الذي لا نستخدمه. وعندها، لن نكون بحاجة إلى معارك حول النحو أو البلاغة، لأن المعركة الحقيقية ستكون على الحق في أن نفكر ونكتب بأنفسنا.
اللغة العربية اليوم على مفترق طرق: إما أن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي كصانعين، نُعلِّم الآلة لغتنا بكرامة وعمق، أو ندخله كمستهلكين، نكتفي بتلقّي نصوص صمّاء تُشبهنا بالاسم فقط. السؤال الذي يجب أن نطرحه الآن: هل سنظل نكتب… أم سنترك الخوارزميات تكتب لنا، ثم نقرأ ما نكتبه دون أن ندري أننا لم نكتبه؟
