
بقلم: أبولبابة العيدودي
جاءني الموتُ يحبو جاءني الموتُ يحبو، كطفلٍ تائهٍ في آخر الليل، يرتدي معطفاً من غبار، ويحمل في يده مفتاحاً صدئاً لمدينةٍ لم أزرها قط. طرق البابَ ثلاثاً، فارتجفتْ ستائرُ البيت، وانحنتْ شجرةُ الياسمين كأنها تعرفه منذ ألف عام. قلتُ له: من أنت؟ فابتسم، وكانت ابتسامته نافذةً مفتوحةً على الفراغ. قال: أنا الذي تأخر كثيراً، أنا ساعي البريد الذي ضلَّ الطريق، أنا آخرُ قطرةٍ في كأس الزمن، أنا الظلُّ حين يتعبُ من ملاحقة صاحبه. قلتُ: ولماذا جئتَ يحبو؟ قال: لأنني كبرت، ولأن المدنَ التي كنتُ أعبرها كسرتْ ساقيَّ من كثرة الانتظار، ولأن البشر صاروا أسرع مني إلى المجهول. ثم جلس عند قدمي، ووضع رأسه على عتبة الليل، وأخذ ينظر إلى السماء. كانت السماء يومها معلقةً بمسمارٍ واحد، والنجوم كأزرارٍ ضائعة من قميص اللهب. قلتُ له: هل جئتَ لتأخذني؟ ضحك. فخرج من ضحكته قطيعٌ من الغربان البيضاء، وطار فوق المدينة، ثم عاد وفي مناقيره أوراقُ شجرٍ لم تنبت بعد. قال: لا أحدَ يأخذ أحداً، نحن فقط نعبرُ الأبواب حين تنتهي الحكاية من كتابة نفسها. قلتُ له: لكنني لم أنتهِ. قال: ولا أنا. فاستغربتُ. كيف للموت أن يقول: لم أنتهِ؟ اقترب مني، وأخرج من جيبه ساعةً بلا عقارب. قال: هذه ساعتي، كلما حاولتُ معرفة الوقت وجدتُ الإنسانَ يركض أمامي، والحياةَ تضحك خلفي. ثم أشار إلى الطريق. كان الطريقُ نهراً، وكان النهرُ مرآة، وكانت المرآةُ عجوزاً تبيع وجوهنا للمارة. رأيتُ وجهي فيها طفلاً، وشاباً، وشيخاً، ورأيتُ وجوهاً لم أعرفها لكنها كانت تشبهني. قلتُ: من هؤلاء؟ قال الموت: أحلامك التي لم تعشها. فبكيت. لم أبكِ خوفاً، بل لأنني اكتشفتُ أن في داخلي مقبرةً من الأشياء الجميلة التي لم أمنحها وقتاً كي تولد. تقدم الموتُ نحوي خطوةً واحدة. فتراجعتُ. تقدم. فتراجعت. حتى وجدنا أنفسنا نرقص فوق حافة الليل. كان هو يعزف على عظمِ الريح، وكنتُ أنا أضرب الأرضَ بقلبي. وفجأةً انفتح البحرُ في وسط المدينة، وصعدت منه أسماكٌ تتحدث العربية، وقالت: يا أيها الإنسان، كم من بحرٍ شربتَ ولم تتعلم السباحة؟ ثم عادت إلى الماء. وصعد القمر من بئرٍ قديمة، وكان مكسوراً من المنتصف. قال لي الموت: حتى القمر يموت كل ليلة ثم يتظاهر بأنه يعود. قلت: لكنه يعود. قال: وهنا سرُّ الحكاية. مشينا طويلاً. كان الليل يمشي معنا حافياً. والبيوت تفتح نوافذها لتتنفس. والشوارع تبحث عن أسماءٍ جديدة لأقدام العابرين. مررنا بمقهى يجلس فيه الشعراء حول طاولةٍ مستديرة، وكانوا يشربون فنجاناً واحداً اسمه “الأمل”. قال الموت: هؤلاء أخطر الناس. قلت: لماذا؟ قال: لأن من يحمل الأمل لا يخاف كثيراً من الظلام. ثم أشار إلى شاعرٍ عجوز كان يكتب على جدار المقهى: “سنظل نغني حتى لو صار الصوت شجرةً في الصحراء.” ابتسم الموت. قلت: أعجبتك القصيدة؟ قال: أخاف من الشعر. قلت: أنت؟ قال: نعم. لأن الشعراء يعرفون كيف يعيدون ترميم الأرواح بكلمة. في منتصف الطريق توقّف الموت. وقال: انظر. نظرت. كانت هناك مدينةٌ كاملة مبنية من الساعات. كل بيتٍ فيها عقرب. كل نافذةٍ دقيقة. كل بابٍ موعد. وفي وسطها طفلٌ صغير يمسك وردةً ويبحث عن أمه. سألت: ما هذه المدينة؟ قال: اسمها “غداً”. قلت: ولماذا لم يدخلها أحد؟ قال: لأن الجميع كانوا ينتظرون غداً. فبقيت المدينة بلا سكان. واصلنا السير. حتى وصلنا إلى صحراء كانت الرمال فيها تكتب القصائد. كلما هبت الريح تغير بيتٌ من القصيدة. قال الموت: هنا تعلمتُ الصمت. قلت: وكيف يتعلم الموت الصمت وهو سيد الصمت؟ قال: لأنني اكتشفت أن الصمت ليس غياب الكلام، بل حضور الحقيقة. جلستُ على الرمل. فسمعتُ صوت أمي. ثم صوت أبي. ثم أصوات أصدقاء مروا في حياتي كالمطر. لم أرَ أحداً. لكنني سمعتهم. قال الموت: لا تخف. الأصوات لا تموت. قلت: وأين تذهب الأجساد؟ قال: إلى التراب. وأين تذهب الذكريات؟ قال: إلى القلب. وأين يذهب القلب؟ سكت. قلت: لماذا سكتَّ؟ قال: لأن هذا السؤال ليس لي. ثم رأيتُ باباً واقفاً وحده في الصحراء. لا جدار حوله. لا بيت. لا مدينة. فقط باب. قال الموت: افتح. قلت: إلى أين؟ قال: لا أعرف. فتحت الباب. وجدتُ وراءه بحراً أخضر، وفوق البحر سماءً بنفسجية، وفي السماء طائرٌ ضخم يحمل الشمس في جناحه. صرخت: ما هذا؟ قال الموت: ما لم تستطع أن تتخيله وأنت حي. في تلك اللحظة تغير وجه الموت. لم يعد عجوزاً. ولا طفلاً. ولا ظلاً. صار يشبهني. نظرت إليه طويلاً. قلت: أنت أنا؟ قال: وأنت أنا. قلت: كيف؟ قال: لأن الإنسان يحمل في داخله كل النهايات وكل البدايات. ثم اختفى. هكذا. بلا وداع. بلا خطوات. بلا جنازةٍ للظل. وجدتُ نفسي واقفاً أمام الباب نفسه. والمدينة خلفي تستيقظ. الشمس تصعد. الخباز يفتح دكانه. الطفل يركض خلف الكرة. امرأة تنشر ثوباً أبيض على شرفةٍ عالية. ورجلٌ عجوز يسقي وردة. كل شيء كان يقول لي: ما زال الوقت. عدتُ إلى بيتي. فتحتُ الباب. وجدتُ معطفي معلقاً في مكانه. وفوق الطاولة كانت هناك ورقة. قرأتُ فيها: “حين جاءك الموت يحبو، لم يكن يريد أن يأخذك، كان يريد أن يعلمك كيف تمشي.” ومنذ ذلك الصباح صرتُ أمشي ببطء. أصغي إلى الأشجار. أصافح الضوء. أعتذر للورد حين أقطف منه عطره. وأترك للطيور نصف السماء. صرتُ أعرف أن الحياة ليست أن ننتصر على الموت، بل أن ننتصر على موت الأشياء الجميلة فينا. وصرتُ إذا رأيتُ عجوزاً يمشي وحده أفسح له الطريق. وإذا رأيتُ طفلاً يحمل وردة ابتسمت. وإذا مرَّ بي الليل قلت له: اجلس. لا تخف. أنا أعرفك. لقد جاءني الموت يوماً يحبو. لكنني اكتشفت أن الذي كان يحبو لم يكن الموت… بل الخوف. أما أنا، فقد نهضت. نهضتُ من رمادي كشجرةٍ تعرف سرَّ الربيع. ومشيت. مشيتُ نحو الصباح وفي يدي مفتاحٌ صدئ. وكانت المدينة كلها أبواباً. وكان قلبي آخر باب. فتحته. فخرجت منه فراشة. ثم أخرى. ثم ألف فراشة. وحين امتلأت
