كتب ابولبابة العيدودي مدير مكتب مصر اليوم بتونس
لماذا لا تتحول الذكرى إلى مهرجان؟
ولماذا لا يصبح الرجل الذي عبر من السياسة إلى الكتابة جزءًا من ذاكرة المكان؟
عبد الرزاق شريط انتقل أيضًا من الثقافة إلى الاستثمار السياحي. لذلك يمكن أن يبقى اسمه حاضرًا في المشهد الثقافي والسياحي.
في توزر، لا تموت الأشياء بسهولة. كما تستطيع نخلة واحدة أن تختصر تاريخ مدينة كاملة.
لذلك يمكن للذكرى أن ترتدي ثوبًا جديدًا.
ثوب مهرجان يحمل اسمًا، ويصنع أثرًا، ويمنح المكان فرصة أخرى للحياة.
ومن هنا يمكن أن تولد فكرة «مهرجان عبد الرزاق شريط للسياحة والثقافة والتراث».
يكون المهرجان موعدًا سنويًا. ولا يأتي لاستعادة الحزن، بل للاحتفاء بما تركه الراحل من أثر.
كما يفتح المجال أمام الأحياء لصناعة أحلام جديدة.
من ذكرى رجل إلى حكاية مدينة
المهرجانات لا تصنعها المنصات وحدها.
ولا تكفيها الأضواء ومكبرات الصوت.
فالمهرجان الحقيقي هو الذي يجعل المكان يتكلم. كما يمنح تاريخه فرصة للظهور أمام الأجيال الجديدة.
وتوزر تملك الكثير مما يمكن أن تقوله.
تتحدث من خلال نخيلها. وتحكي تاريخها عبر قصورها القديمة.
كما تحتفظ رمالها بآثار العابرين. وتمنح واحاتُها المدينة صورة لا تشبه غيرها.
وفي هذا المشهد، يمكن أن يحمل اسم عبد الرزاق شريط رسالة تتجاوز الشخص إلى الفكرة.
فالسياحة ليست فنادق فقط.
والثقافة لا تختصرها الكتب.
أما الاستثمار فلا تقيسه الأرقام وحدها.
عندما تلتقي هذه المجالات، يمكن أن تصنع مشروعًا جديدًا يخدم المدينة.
مهرجان يجمع السياحة والثقافة والتراث
يمكن أن يقدم المهرجان برنامجًا متنوعًا.
وتأتي الندوات في مقدمة الفعاليات المقترحة. ويمكن أن تناقش مستقبل السياحة والثقافة والاستثمار في الجنوب التونسي.
كما يمكن إقامة معارض للكتاب والفنون التشكيلية. وتشارك الصناعات التقليدية في هذا المشهد أيضًا.
وتتضمن الفعاليات أمسيات شعرية وموسيقية. ويمكن كذلك تنظيم عروض للفروسية والفانتازيا.
ومن ناحية أخرى، يمكن إقامة معارض للصور والوثائق.
وتوثق هذه المعارض تاريخ توزر ورجالاتها.
كما يمكن تنظيم جولات سياحية في الواحات والمدينة العتيقة. وتشمل الجولات المعالم التاريخية المهمة.
وبذلك لا يبقى المهرجان مجرد أيام احتفالية.
بل يتحول إلى مساحة للتعريف بتوزر. كما يبرز ما تملكه من مقومات ثقافية وسياحية وتراثية.
كتاب يوثق ذاكرة توزر
ومن الأفكار التي يمكن أن تمنح المهرجان قيمة إضافية إصدار كتاب توثيقي مع كل دورة.
يوثق الكتاب سيرة عبد الرزاق شريط وأثره.
وفي الوقت نفسه، يقدم صورة متجددة عن توزر.
ويمكن أن يتناول تاريخ المدينة وحضارتها وسياحتها واقتصادها.
كما يعرف برجالها ونسائها. ويتوقف عند أحلام شبابها وتطلعاتهم.
وهكذا يصبح الكتاب ذاكرة للمهرجان.
وفي المقابل، يتحول المهرجان إلى كتاب مفتوح على المدينة.
حين تصعد الذكرى إلى النخلة
تخيلوا المشهد في ليلة الافتتاح.
الواحة مضاءة. لكنها لا تفقد عتمتها الجميلة.
ويقف النخيل كأنه جمهور قديم جاء من القرون الماضية.
ومن بعيد تنبعث الموسيقى.
ثم تظهر صورة عبد الرزاق شريط على شاشة كبيرة.
لا يظهر كغائب.
بل يظهر كفكرة باقية في المكان.
وكأن صوته يقول للأجيال الجديدة:
لا تتركوا المكان يشيخ.
اكتبوا له مستقبلًا، كما كتب آباؤكم له تاريخًا.
بعدها تبدأ الحكاية.
إنها حكاية مدينة تبحث عن صورتها في المرآة.
وهي أيضًا حكاية مهرجان لا يريد أن يكون نسخة عن مهرجان آخر.
بل يسعى إلى استخراج لغته الخاصة من رمال توزر ونخيلها وذاكرتها.
من رجل إلى ذاكرة مدينة
تكريم الراحل لا يكون بإطلاق اسمه على مهرجان فقط.
التكريم الحقيقي أعمق من ذلك.
إنه يتحقق عندما يتحول الاسم إلى مشروع ثقافي وسياحي مستمر.
يمكن أن يصبح الموعد سنويًا.
ويمكن أن ينتظره أهل المدينة كل عام.
كما يمكن أن يشارك فيه الإعلاميون والفنانون والكتاب والباحثون.
ويستطيع السياح والمستثمرون المشاركة أيضًا.
وبذلك تفتح المناسبة نافذة جديدة للتعريف بتوزر خارج حدودها.
وعندما تتصل الذكرى بالمستقبل، يصبح الاسم جسرًا بين الأجيال.
جيل عرف الرجل وأثره.
وأجيال جديدة تتعرف إلى تجربته من خلال الثقافة والسياحة والتراث.
لماذا لا يصبح الحلم موعدًا سنويًا؟
لم لا يكون هناك يومًا ما «مهرجان عبد الرزاق شريط الدولي للسياحة والثقافة والتراث»؟
ولم لا تأتي وفود من تونس والعالم العربي وأوروبا؟
يمكن أن تلتقي في توزر الثقافة بالسياحة.
كما يمكن أن يلتقي الكتاب بالفن.
ويلتقي الاستثمار بالتراث.
أما الإعلام، فيجد في المكان حكاية تستحق الحضور.
ومن الأفكار الممكنة أيضًا إطلاق «جائزة عبد الرزاق شريط للإبداع السياحي والثقافي».
وتخصص الجائزة لتكريم المشروعات والشخصيات التي تقدم إسهامات في الثقافة والسياحة والتراث.
ومع تكرار الدورات، يمكن أن تصبح توزر مساحة للحوار حول مستقبل الجنوب التونسي.
كما يمكن أن تفتح هذه المناسبة الباب أمام أفكار ومبادرات جديدة تخدم المكان وأهله.
وفي الصحراء لا تضيع الأحلام
الأفكار الكبيرة تبدأ أحيانًا بجملة بسيطة:
لم لا؟
ثم يأتي الحلم.
وبعده يأتي العمل.
ومع الوقت، يمكن أن يتحول الحلم إلى موعد ثابت في رزنامة المدن.
وفي الصحراء، لا تضيع الأحلام.
فالرمل يحتفظ بكل شيء.
وربما، ذات مساء، حين تهب الريح بين نخيل توزر، ستقول نخلة عجوز لنخلة صغيرة:
هنا مرّ رجل اسمه عبد الرزاق شريط.
ثم تحولت ذكراه إلى مهرجان.
وهكذا لا تكون الذكرى شاهدًا على النهاية.
بل تصبح بداية جديدة للحياة.
فبعض الأسماء لا يكفي أن تُكتب على لوحة.
هناك أسماء تستحق أن تتحول إلى موعد يتجدد كل عام.
